محمد بن وليد الطرطوشي
415
سراج الملوك
الباب السادس والخمسون في الظلم وشؤمه وسوء عاقبته قال اللّه تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] وقال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ المائدة : 45 ] وقال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ المائدة : 47 ] . فكل من لم يحكم بما جاء من عند اللّه ورسوله ، كملت فيه هذه الأوصاف الثلاثة : الكفر ، والظلم ، والفسق . وقال سبحانه وتعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [ إبراهيم : 42 ] وقال أحمد بن خضرويه « 1 » : لو أذن لي في الشفاعة ، ما بدأت إلا بالظالمين ، لأنى تثبّت لتعزية اللّه تعالى في قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [ إبراهيم : 42 ] قال : ولا أغتنم سفرا لا يكون فيه من لا يؤذيني ويظلمني ، شوقا منّي لتعزية اللّه تعالى للمظلومين . وقال ميمون بن مهران : كفى بهذه الآية وعيدا للظالم وتعزية للمظلوم . وقال كعب لأبى هريرة : في التوراة : ( من يظلم يخرب بيته ) فقال أبو هريرة : وذلك في كتاب اللّه تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [ النمل : 52 ] فالظلم أدعى شيء إلى سلب النّعم وحلول النّقم . وروى مسلم في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يروى عن ربه قال : « يا عبادي : إني حرّمت الظلم على نفسي « 2 » وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا « 3 » ،
--> ( 1 ) أبو حامد البلخي أحمد بن خضرويه : من كبار مشايخ خراسان ، توفي سنة 240 ه وعمره جاوز التسعين سنة ( سير أعلام النبلاء 11 / 487 وما بعدها ) . ( 2 ) قال العلماء في معنى ( إني حرمت الظلم على نفسي ) : تقدّست عنه وتعاليت . وأصل التحريم في اللغة : المنع ، فسمّى تقدّسه عن الظلم تحريما ، لمشابهته للممنوع في أصل عدم الشيء . ( 3 ) أي لا تتظالموا ، والمراد : لا يظلم بعضكم بعضا .